ماهر فرغلي لـ " مصر الآن "الإخوان يسيطرون على الحقل الديني الفرنسي.. أين الأزهر؟
قال الباحث في شؤون الجماعات الاسلامية ماهر فرغلي في تصر ل " مصر الآن "منذ عام 2005 والتيار الإخواني يسيطر تماماً على أحياء هامشية في باريس العاصمة، وبان ذلك في الأحداث الصدامية، التي جرت بين مجموعة من الشباب المسلم والشرطة الفرنسية، على خلفية الاعتداء على شاب مسلم، ووضح ساعتها أن هناك قوى إسلاموية تختلف في أساليبها التغلغلية داخل المجتمع الفرنسي، وهي الإخوان والتبليغ والسلفيون والجهاديون، وكلهم يشجعون على الانفصال عن المجتمع الفرنسي، عبر تكريس فكرة أن الإسلام هو “الدين الحقيقي” في مواجهة العدو الغربي.
وأضاف فرغلي إن حوالي 253 قتيلاَ ومئات الجرحى، أرقام أحصتها الصحافة الفرنسية لضحايا العمليات الإرهابية في البلاد منذ بداية عام 2015، كان أبرزها جريمة قطع رأس مدرس فرنسي بعد عرضه رسوما كاريكاتورية للنبي محمد على التلاميذ كانت صحيفة شارلي إيبدو قد نشرتها سابقا، وربط كثير من الفرنسيين بينها وتلك الأحياء الهامشية، التي ترتفع فيها معدلات البطالة ويكثر فيها الانقطاع عن الدراسة، ويشكّل فيها الإرهابيون مجموعات منعزلة عن الثقافة الفرنسية، عبر المكتبات وقاعات الرياضة والدروس في المساجد.
(1) شبكات إسلاميّ الضواحي:
ينشط عدد من الجماعات في فرنسا وهم الإخوان والسلفيون والتبليغ والجهاديون ومنظمة “رؤية الملة ” MILLÎ GÖRÜŞ التركية.
وقال أما جماعة التبليغ فتنشط في الضواحي الفرنسية، وهي تنقسم إلى التبليغ والدعوة، وجمعية الإيمان والممارسة، وأهم رموزهم سامي دباح، مؤسس التجمع ضد الإسلاموفوبيا، والتونسي حسن شلفومي، رئيس الجمعية الثقافية للمسلمين للمسلمين في مدينة درانسي، التي تدير مسجد النور.
التيار الأكثر وضوحاً في تلك الأحياء هم السلفيون، وفق ما ذكره الباحث عزيز أحلوي، لأنهم يستفيدون من الغرب ويخطبون ضده في أحياء شعبية فقيرة في ليون وباريس ومارسيليا وستراسبورج، لكن المشكلة الحقيقية هي انتشار السلفية الجهادية في الأحياء الهامشية، عن طريق مساعدتهم الشباب المسلم في الحصول على إقامات سياحية، وسفر للحج، وعطور ومواد تجميل، وتشغيلهم في سوق المهن الحرة، أو في أنشطة تجارية كبيع السراويل والطواقي.
عن طريق سوق اللحوم الحلال ينشط الإخوان والسلفيون، بعد أن تطور الأمر ليشمل السياحة الحلال، والبنوك الحلال، واللباس الحلال، وسلطة الرقابة التي منحوها لأنفسهم على هذا السوق الواسع.
وفي الأحياء الهامشية ستجد أقراص الكمبيوتر بخطب كبار السلفيين في الدول العربية، والأناشيد، وبرز مؤخراً فعاليات سلفية على مقاهي الفرنسية، وتنظيمهم لحفلات لدخول الفرنسيين إلى الإسلام، وفق ما ورد في تقرير لجنة التحقيق بمجلس الشيوخ الفرنسي.
لقد توصل تحقيق استقصائي اعدته صحيفة “لوموند” في نيسان/ أبريل 2005 إلى أن الدعاة السلفيين يحققون نجاحاً كبيراً في الأحياء الفقيرة التي يعاني المسلمون فيها من التهميش، حيث تنتشر هذه الجماعة في المناطق الحضرية في أحياء باريس ورون ألب وكوت دازيروإيل دو فرانس، إضافة إلى المعاقل التقليدية للمسلمين مثل فيتري سيرسان وسان دوني، كما تحقق انتشاراً في المدن المتوسطة مثل جوي لوتور ومدينة براست التي ينشط فيها أحد أشهر الدعاة وهو رشيد أبو حذيفة، عدا سيطرتهم على بعض المدارس الابتدائية الخاصة في مدينة روبي في الشمال ومدينة مارسيليا.
ويعبر موقع "كنز" الذي أسسه فاتح كيموش، وهو من أصوله إخوانية، عن انتشار المجتمع السلفي في أحياء باريس الفقيرة.
أما الشبكة الإخوانية فهي الأكبر والأضخم ليس في فرنسا وحدها بل في عموم أوربا، عن طريق التجنيس والهجرة ورابطات الطلاب، واتحاد المنظمات، ورابطة الطلاب في فرنسا، والخلايا الطلابية.
وأشار إلى إن الإخوان نجحوا في اختراق المسلمين وبناء شبكات عن طريق أطفال ولدوا بفرنسا، وطلاب إخوان دارسون، ومنتمون للجماعة من دول عربية وإفريقية.
واستفادت الجماعة من القوانين الليبرالية، وحين يواجههم اعتراضات فإنهم يشتغلون فيما يطلقون عليه الآن "جهاد المحاكم"، لكي تنال الشبكة حرية واسعة عن طريق الاتحاد الإسلامي لطلاب فرنسا، أو باقي المنظمات، مثل المساجد، والمدارس، التي توزع على مدارس خاصة، ومدارس قرآنية، أو المدارس الرياضية.
في مذكرة المخابرات الإفليمية في تموز يوليو 2015 بعنوان رياضة الهواة، أن 30 جمعية رياضية إسلامية تمارس التبشير الديني في فرنسا.
(2) تجمعات إسلاموية:
منذ أنشئ المسجد الكبير بباريس عام 1925، سيطرت عليه الجزائر، ولما أنشئ المسجد الكبير بليون عام 1994، دخلت الإخوان على الخط فسيطرت عليه، وأنشأت اتحاد المنظمات الإسلامية (UOIF)، والغريب أن الاتحاد نجح أن يكون الممثل الرسمي للمسلمين في فرنسا.
حاولت الدولة الفرنسية بعدها دعم المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، وكان هو من يشرف على تسيير المساجد، والأكل الحلال، والحج، وتكوين الأئمة، وتمثيل المسلمين داخل السجون والجيش، لكن الجماعة نجحت في السيطرة عليه، وللتدليل على ذلك أصبح طارق أوبرو، كبير الإخوان، هو المفتي الديني وإمام المسلمين الرسمي بفرنسا، وأصبح الأئمة الإخوان هم من يقدمون المواعظ الدينية بشكل رسمي للمجندين المسلمين في الجيش الفرنسي، أو داخل السجون، وفق الإخواني المنشق، والباحث محمد اللويزي.
عن طريق سياسة الاحتواء حاولت فرنسا، وفي العام الماضي 2019 حضر وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير الإفطار المنظم من طرف المجلس الإقليمي للمسلمين، الذي هو حالياً في أيدي الأتراك المؤيدين لأردوغان، ويقوده الاخوان المسلمون، وبعدها عقدت الجماعة بمسجد فينيو بضواحي باريس مؤتمراً حاشداً بمشاركة كل من: التونسي د عبدالمجيد النجار (حركة النهضة)، والتونسي عبدالله بن منصور (المراقب السابق لإخوان أوروبا)، والمغربي طارق أوبرو (مرشح الإمامة الكبرى في فرنسا)، ومحمد بجرفيل (عضو إفتاء إخوان فرنسا)، والمغربي محمد بن علي (عضو هيئة تدريس كلية إخوان باريس)، والمغربي محمد الحمري (عضو اتحاد المنظمات الإسلامية)، حثوا فيه إلى تبني سياسة جديدة في تمثيل المسلمين في فرنسا، وكانوا يهدفون إلى التمكين للعناصر الإخوانية، وهذا ما أفرز أزمة خانقة في تمثيلية المسلمين.
دخلت قطر على خط السيطرة على التجمعات الإسلامية عن طريق مؤسسة “قطر للأعمال الخيرية” التي مولت الشباب المسلم في الضواحي الهامشية، وأيضاً المساجد، مثال مسجد (السلام) نانت (Nantes) التابع لجمعية غرب فرنسا الإسلامي، التي تمثل الفرع الإقليمي لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، إضافة إلى معهد تعليم الشريعة” المركز الثقافي عبد الله الدرويش”، وكذلك مسجد “الرحمة” الذي افتتح عام 2017 في ستراسبورغ وتموله جمعية الإصلاح الاجتماعي التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا. وفق ما ورد في دراسة للباحث المغربي عزيز أحلوي،
ومن المساجد التي مولتها قطر جامع “داسو” في ارجنتوي في منطقة فال دواز، ويديره مغاربة من اتحاد مسلمي فرنسا (RMF)، ومسجد يوتز (Yutz) السلفي الواقع في منطقة (موزيل) وتديره جمعية الحياة الثقافية للجالية المسلمة (AVCCM)، ومسجد ”ريمسRemis ".
في المقابل يسيطر الإخوان على مسجد “فيلنوف داسك” الذي هو أيضاً مركز ثقافي إسلامي تابع لاتحاد المنظمات الإسلامية، ومسجد النور في Mulhouse، الذي يتبع جمعية مسلمي الالزاس موزيل الإخوانية.
حاولت بعض الدول العربية والإسلامية الدخول على خط السيطرة على المساجد والحقل الديني الفرنسي (السعودية – المغرب – الجزائر – قطر - تركيا) وغاب الأزهر تماماً عن هذا المشهد، وحدثت عملية تنافسية كبيرة إلا أن الجماعة حسمت المشهد لصالحها وصالح الأتراك والقطريين.
وبرز اتحاد مساجد فرنسا (UMF) عام 2013، وجمعية الأمل للشباب الفرنسي المسلم (EMJF)، وهي جمعية لتعليم القرآن في الضواحي والأحياء الهامشية، تجمع المسلمين بفرنسا، وهو تابع للمملكة المغربية، لجنة التنسيق للمسلمين الأتراك (CCMITF) 2001، وهو يتلقى أوامره مباشرة من أنقرة، مثال التصويت لأردوغان، اتحادية مسجد باريس، بقيادة دليل أبو بكر، الفيدرالية الفرنسية للجمعيات الإسلامية، تأسست 1998، اتحاد الشباب المسلم، قيادة طارق رمضان، المسجد الكبير بمدينة بوردو، بقيادة إمام الجمهورية الفرنسية طارق أوبرو، المعهد الإسلامي لمسجد باريس، وهو يعين أكثر من 200 إمام للمسلمين في فرنسا، وهو من فتح ما يسمى شهادات الذبح الحلال، ثم اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا، تأسس 1983، وهو من المقربين للإخوان، ويجمع أكثر من 250 جمعية إخوانية على الأراضي الفرنسية، ويقوده الآن سمير فلاح، وقد نجح في السيطرة على المعهد الأوربي لعلوم الاجتماعية، بضاحية سانت دونيس، ليتخرج منه الأئمة، ومنهم عمار الأصفر.
كما نشأ الاتحاد الوطني للمسلمين بفرنسا، وهو لوبي مغربي، استطاع أن ينشئ التنسيقية الوطنية للأئمة المسلمين.
وأيضاً نشأ الاتحاد التركي للشؤون الإسلامية: وهو ينشط في شمال فرنسا، ويجمع تمويلات لبناء المساجد، وهو من يكلف أئمة من أصول تركية لإمامتها، مثال مسجدمدينة ميتز.
وبينما غابت مؤسسة الأزهر تماماً عن المشهد، دخل الإيرانيون على خط السيطرة على الحقل الديني فأنشأوا مركز الزهراء الإسلامي، ومقره في مدينة غراند سينت، بالقرب من الحدود البلجيكية.
وحين حسمت جماعة الإخوان السيطرة على المساجد لصالحها أنشأت الإمارات (المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة) برئاسة الدكتور علي راشد النعيمي، ويعاونه د. محمد البشاري، وذلك من أجل ترشيد المنظمات والجمعيات العاملة في المجتمعات المسلمة، وتجديد فكرها وتحسين أدائها.
حاولت الدولة الفرنسية في المقابل القيام باستراتيجية للسلطة التنفيذية فيما يتعلق بتنظيم الدين الإسلامي، حيث تقدم مستشار الرئيس ماكرون، السيد حكيم القروي بمشروع مءسسة تكلف بتنظيم الدين الإسلامي، بديلاً عن المجلس الفرنسي للديانة، الذي سيطرت عليه الجماعة. ثم اقتطاع جزء من المال واستثماره، وحينها يمكن للمؤسسة تدبير نفقات اللحوم الحلال، إذ وفق دراسة له، ينفق كل مسلم على الأرض الفرنسية مجموع 180 يورو سنوياً على منتوجات الحلال.
يرى القروي أن تركيا مؤخراً عنيت بتأطير الشتات التركي فأرسلت الأئمة إلى أوربا وأقامت المدارس والجمعيات واستفادت من الحاضنة الإخوانية.
الخلاصة، أن الإسلاموية صنعت أزمة حقيقية داخل مجتمعاتها الأوربية، بسبب عدم اندماجها، وحياتها داخل جيتو خاص، وفي ذات الوقت سيطرة تيارات عليها وجعلها الشباب المسلم جناح خارجي لها.
الأخطر هو عدم وجود سياسة من الدول العربية متحدة بخصوص الأمر السابق، إذ أيضاً هناك حالة تنافسية ضخمة تم استخدام المراكز الإسلامية والجمعيات فيها، رغم سلبيات ذلك، التي ستتمثل في ارتداد التطرف والإرهاب من الدول الأوربية إلى حضن الشرق.
ومن أجل حل المشكلات المتعلقة بالإسلاموية الأوربية المحتضنة في الضواحي الهامشية، لا يد من العمل على إدماج المجتمعات المسلمة في دولها بصورة تحقق لأعضائها كمال المواطنة وتمام الانتماء للدين الإسلامي. وأولى مقدمات تحقيق هذه الغاية تحرير المسلمين من التبعية للتيارات والحركات الفكرية والفقهية والأحزاب السياسية العابرة لحدود الدولة الوطنية، التي تحول دون اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة.






.jpg)
